الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

237

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

السحر صبح الحصني فرأى بابه مفتوحا ورآه جالسا مسترسلا فقصده وسلّم عليه ونزل عنده وقال له ما أجلسك ههنا وحملك على أن فتحت بابك ولم تتحصن من هذا الجيش المقبل ولم تتنح عن عبد اللّه بن طاهر مع ما في نفسه عليك وما بلغه عنك فقال ( ان ما قلت لم يذهب علي ولكني تأملت أمري وعلمت اني أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب وغرّة الحداثة ، واني ان هربت منه لم أفته فباعدت البنات والحرم واستسلمت بنفسي وكلّ ما أملك فانّا أهل بيت قد أسرع القتل فينا ولي بمن مضى أسوة فاني أثق بأن الرجل إذا قتلني وأخذ مالي شفى غيظه ولم يتجاوز ذلك إلى الحرم ولا له فيهن أرب ولا يوجب جرمي أكثر ممّا بذلته ) . فواللهّ ما لقاه عبد اللّه إلّا بدموعه تجري على لحيته . ثم قال له أتعرفني قال لا واللّه ، قال ( أنا عبد اللّه بن طاهر وقد امن اللّه روعتك وحقن دمك وصان حرمك وحرس نعمتك ، وعفا عن ذنبك وما تعجلت إليك وحدي إلّا لتأمن من قبل هجوم الجيش ، ولئلا يخالط عفوي روعة تلحقك ) فبكى الحصني وقام فقبّل رأسه ، فضمهّ عبد اللّه بن طاهر وأدناه . ثم قال أما فلا بد يا أخي من عتاب جعلني اللّه فداك قلت شعرا في قومي أفخر بهم ولم أطعن فيه على حسبك ولا ادّعيت فضلا عليك ، وفخرت بقتل رجل هو وان كان من قومك إلّا انهّ من القوم الذين ثارك عندهم فكان يسعك السكوت أو ان لم تسكت لا تعرق ولا تسرف فقال ( أيها الأمير قد عفوت فاجعله العفو الذي لا يخالطه تثريب ولا يكدر صفوه تأنيب ) قال قد فعلت ، ثم دعا بدواة فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين وقال له ان نشطت لنا فالحق بنا وإلّا فأقم بمكانك ، فقال فأنا أتجهّز والحق بالأمير ، ففعل ولحق به بمصر ولم يزل معه حتى رحل عبد اللّه إلى العراق فودعه وقام ببلده ) .